ابن عربي

255

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 181 إلى 182 ] فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 181 ) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 182 ) الجنف حيف في الكم والكيف .

--> فيتعينون وقد قال : ( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) * فما المانع أن يجمع اللّه لهم بين الوصية والميراث ، إذ كان حقهم أعظم الحقوق وأوجبها ، والقرآن نص مقطوع به ، وقد اتفقوا على أنه لا تجوز الوصية لوارث ، فإذا وقعت فأجمعوا على أنه لا تجوز إذا لم تجزها الورثة ، واختلفوا إذا أجازتها الورثة ، فقال الأكثرون تجوز ، وقال أهل الظاهر لا تجوز وإن أجازتها الورثة ، وحكي ذلك عن المزني ، والذي يقتضيه النظر أنّ تنفيذها من كونها وصية لا تجوز ، وقد رفع الشارع حكمها أن تكون وصية ، إذا فليست بوصية شرعا ، وإذا لم تكن وصية وقد تعين القدر الذي ذكره الميت ، فيقسم على القرابة بأسرهم ما لم يعين قرابة مخصوصين ، فإن عيّن فالأولى بالورثة إذا سمحوا بإعطاء هذا المال صدقة منهم عن الميت أن يوصلوه لمن عيّنه على حكم ما عيّنه ، وهي عندنا عبادة غير معللة ، وقوله : « بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ » يؤيد أنها غير منسوخة وأنها غير مخالفة لآية المواريث ، فيكون المعنى : كتب عليكم ما أوصى به اللّه من توريث الوالدين والأقربين في قوله تعالى : ( يوصيكم في أولادكم ) الآيات كلها ، فاعملوا فيها بالمعروف وأعطوا كل ذي حق حقه كما أوصى اللّه « بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا » واجبا على القاسم لها أن يتقي اللّه فيها ، على أنه قد روي عن بعض أهل العلم أنه يجمع للوالدين بين الوصية والميراث ، ومن قال بالتأويل الأول حمل المعروف أن لا يتجاوز الموصي الثلث ، ويعمل بالعدل في ذلك ( 182 ) « فَمَنْ بَدَّلَهُ » أي غيّر ما وقعت به الوصية « بَعْدَ ما سَمِعَهُ » من الموصي « فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ » فإن إثم التبديل على من بدله « إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ » ما أوصى به الميت « عَلِيمٌ » * به ، وفيه وعيد للمبدّل ( 183 ) « فَمَنْ خافَ » أي توقع « مِنْ مُوصٍ جَنَفاً » ميلا عن الحق وهو لا يدري « أَوْ إِثْماً » متعمدا لذلك ، فتنازع الموصى لهم في ذلك « فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » وإن أخطأ في القسمة أو في رد ذلك إلى الوجه المشروع في اجتهاده « إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ » في حق المصلح ، والميت الذي ما تعمد الخطأ « رَحِيمٌ »